ابن هشام الأنصاري
272
أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك
وقولهم : « عسى الغوير أبؤسا ( 1 ) » . وأما : فَطَفِقَ مَسْحاً ( 2 ) ، فالخبر محذوف ، أي : يمسح مسحا . وشرط الجملة : أن تكون فعليّة ، وشذّ مجيء الاسمية بعد « جعل » في قوله :
--> - تقديره هي ، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ ، وجملة المبتدأ وخبره في محل نصب حال . الشاهد فيه : قوله « وما كدت آئبا » حيث أعمل « كاد » عمل « كان » فرفع بها الاسم ونصب الخبر ، ولكنه أتى بخبرها اسما مفردا ، والاستعمال جار على أن يكون خبره جملة فعلية فعلها مضارع ، ولهذا أنكر بعض النحاة هذه الرواية وزعم أن الرواية الصحيحة هي « وما كنت آئبا » . ( 1 ) هذا مثل تقوله العرب ، وأصله أنه كان قوم في غار ، فانهار عليهم ، فماتوا جميعا ، فضربوه مثلا لكل ما يخشى منه الشر ، ثم تمثلت به الزباء ملكة الجزيرة ، والغوير : تصغير الغار ، والأبؤس : جمع بأس أو بؤس . وقد خرجه سيبويه وأبو علي أن « أبؤسا » خبر عسى ، وذكرا أن ذلك يجري مجرى الضرورة ومراجعة الأصول المهجورة . وجعل ابن الأعرابي « أبؤسا » منصوبا بفعل محذوف وقدره : عسى الغوير يصير أبؤسا . وقدره الكوفيون : عسى الغوير أن يكون أبؤسا ، ولا فرق بين تقدير ابن الأعرابي وتقدير الكوفيين إلّا في ذكر « أن » المصدرية التي يغلب اقتران الفعل المضارع الواقع خبرا لعسى بها ، وهو حسن بالنظر إلى تحقيق ما هو الأصل وذهب قوم إلى أن « أبؤسا » مفعول به لفعل محذوف ، وقدروه « يأتي بأبؤس » ولو قدروه « يأتي أبؤسا » لقلت المحذوفات ، ولعلهم غفلوا عن أن « أتى » يتعدى إلى المفعول به بنفسه ، وقال ابن هشام بعد حكاية هذه الأقوال : « وأحسن من ذلك كله أن يقدر : عسى الغوير يبأس أبؤسا ، فيكون مفعولا مطلقا ، ويكون مثل قوله تعالى : فَطَفِقَ مَسْحاً أي يمسح مسحا ، ثم حذف الفعل وأقيم المصدر مقامه » اه . وقد تلخص لك من هذا الكلام أن العلماء خرجوا هذا المثل خمس تخريجات ، فقيل : خبر عسى ، وقيل : خبر يكون محذوفة ، وقيل : خبر يصير محذوفة ، وقيل : مفعول به لفعل محذوف ، وقيل : مفعول مطلق عامله محذوف . ( 2 ) سورة ص ، الآية : 33